ملا محمد مهدي النراقي
97
جامع السعادات
الأول - أن التوحيد العام ألا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد ، إذ المحبة لا تقبل الشركة ، والتوحيد باللسان قليل الجدوى ، وإنما تمتحن درجة الحب بمفارقة سائر المحاب ، والأموال محبوبة عند الناس ، لأنها آلة تمتعهم بالدنيا ، ولأجلها يأنسون بهذا العالم ، ويخافون من الموت ويتوحشون منه ، مع أن فيه لقاء المحبوب ، فامتحنوا في صدق دعواهم الحب التام لله تعالى بمفارقتهم عن بعض محابهم ، أعني المال ، ولذلك قال الله سبحانه : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " ( 97 ) . ولفهم هذا السر في بذل الأموال ، انقسم الناس بحسب درجاتهم في التوحيد والمحبة ثلاثة أقسام : ( قسم ) صدقوا التوحيد ووفوا بعهده ، ولم يجعلوا قلوبهم إلا محلا لحب واحد . فنزلوا عن جميع أموالهم ، ولم يدخروا شيئا من الدرهم والدينار وغيرهما من أنواع المال ، ولم يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم ، حتى قيل لبعضهم : كم يجب من الزكاة في مائتي درهم ؟ فقال : أما على العوام - بحكم الشرع - فخمسة دراهم ، وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع . وسئل الصادق ( ع ) : " في كم تجب الزكاة من المال ؟ فقال : أما الزكاة الظاهرة ، ففي كل ألف خمسة وعشرون ، وأما الباطنة ، فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك " . و ( قسم ) درجتهم دون هذا ، وهم الذين أمسكو أموالهم ، ولكنهم راقبوا مواقيت الحاجات ومراسم الخيرات ، ويكون قصدهم من الامساك الإنفاق على قدر الحاجة ، دون التنعم ، وصرف الفاضل عن قدر الحاجة إلى وجوه البر . وهؤلاء لا يقتصرون على إعطاء مجرد ما يجب عليهم من الزكاة والخمس ، بل يؤدون جميع أنواع البر والمعروف أو أكثرها . و ( قسم ) اقتصروا على أداء الواجب ، فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه . وهو أدون الدرجات وأقل المراتب ، وهو درجة العوام الراغبين إلى المال ، لجهلهم بحقيقته وفائدته ، وضعف حبهم للآخرة . الثاني - تطهير النفس عن رذيلة البخل ، فإنه من المهلكات - كما تقدم - ، وإنما تزول هذه الرذيلة ببذل المال مرة بعد أخرى حتى يتعود ، إذ حب الشئ لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته ، حتى يصير ذلك اعتيادا .
--> ( 97 ) التوبة ، الآية : 111 .